محمد حسين علي الصغير
153
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
في مقاييسهم تقتضي أحقيتهم النبوة كما يتخيلون . وهذا الأسلوب جار بما جرى عليه العرب في استعمالاتهم لأنه أبلغ من التصريح بلوغا للمراد ، وتلطفا في الغاية . وفي قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) « 1 » . في هذه الآية دلالة خاصة حملها الزمخشري على التعريض فقال : « وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة ( عائشة وحفصة ) وما فرط منهما من التظاهر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بما كرهه ، وتحذيرهما على أغلظ وجه وأشده . . . وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول اللّه ، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين » « 2 » . إن التعريض في القرآن الكريم أسلوب مشرق من الأساليب النيابية يحتمه الأدب القرآني ، وتدعو إليه لغته المهذبة ، تقويما للخلق ، وصيانة للنفس الإنسانية من العبث والغيظ والإثارة المؤذية . الكناية والرمزية : الصلة بين الكناية والرمز شبيهة بصلة الكناية بالتعريض فكلاهما ينبع من أصل واحد ، وهو إرادة غير ظاهر المعنى ، ودلالة اللفظ الأولية ، فلقد استعمل الرمز عند العرب في موضع إشارة والتلميح حينا ، وفي مجال الإيحاء والتأثير النفسي حينا آخر . وعلى هذا فالرمز عند العرب ما مثل أفكارا تؤثر في النفس ، وتنطلق إلى الخارج بغير ألفاظها المعهودة ، فاللفظ أداة لا تعبر عن المعنى المراد بدلالتها ، وإنما يستفاد المعنى من تلويح وإشارة ذلك اللفظ . وقد استعمل القدماء الرمز فعبروا عنه بالإشارة مرة ، وباللمح مرة
--> ( 1 ) التحريم : 10 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 131 .